من قال إن بيوت الفقراء لا تحب الشتاء؟!

القطيف - عبير جابر الحياة - 24/04/06//
اسودّ لون بوابة المنزل الخارجية التي تغلق كل مساء على هموم عائلة أم علي، على أمل في غد أفضل. لا يختلف لون البوابة عن واقع هذه العائلة «المستورة»، التي يستشف الزائر واقعها بمجرد إلقاء نظرة من خلف البوابة المواربة، حيث تفصل ستارة بالية مرقعة بخرق ملونة، بين الخارج والداخل على رغم تشابههما باستثناء خصوصية المنزل في الداخل.

تحمل درجتان المرء إلى أعلى، ومع أن أرض المكان بعدهما مستوية إلا أن الولوج بعد الستارة يأخذ المرء إلى هوة سحيقة، وعلى رغم أن الوصول إلى المنزل، الواقع في أحد أحياء بلدة العوامية في محافظة القطيف، يتطلب الاستعانة بمرشد من أبناء البلدة، إلا أن الاستدلال على الواقع الذي تعيشه عائلة مكونة من 15 شخصاً، يبدو سهلاً للتأكد من أن خط الفقر يمر بالقرب من منزل أم علي، وبالكاد يمكن إطلاق منزل عليه، إذ أنه مجموعة جدران وسقف في غياب مواصفات المنزل الصحي المؤهل ليأوي عائلة. وتعجز ربة المنزل خلف سور المنزل المستأجر عن تسديد أجرته، إلا من خلال جمعية البلدة الخيرية، ويلاحظ المرء الداخل إلى المنزل صالة تشكل غرفة المعيشة، لكنها تخلو من أي مقومات الحياة اليومية، باستثناء طاولة صغيرة حملت جهاز تلفزيون، وفي زاوية أخرى برادة قدمتهما الجمعية لأم علي.لا توجد مائدة هناك لطعام الغداء أو العشاء إذا وُجد، ولا كرسي أو كنبة لاستقبال الضيوف. ولا حتى مساند يتكئ عليها الجالس من أهل الدار ملقياً خلفها هموم يوم طويل. وعند مدخلها يجب المرور بفوهة للمجاري الصحية لم تمنعها القطعة الخشبية المستطيلة من بثّ روائحها في الدار، ولم تشكل هذه القطعة الخشبية حاجزاً في وجه انتشار الحشرات.ونخرت جنبات الصالة رطوبة مقززة، يشعر المرء أنه يتنشقها مع الهواء، فتجدها قد استوطنت أنفاس أولاد أم علي كباراً وصغاراً. وغُطيت أرض الدار ببسط قماشية لم تستطع أن تخفي كل المساحات، فهي قطع جمعت على عجل لتشكل مكاناً لجلوس أفراد العائلة في صباحهم ومسائهم. ولا يشعر أهل الدار بالبرد الشديد في الصالة، لكن المشكلة أن الحرّ بدأ يطرق الباب، ولا يوجد أي جهاز تكييف فيها، بل توجد مروحتان معلقتان في السقف إحداهما لا تعمل. وعندما تشتد الحرارة يكون على سكان المنزل التعايش مع هدير مكيف عتيق في إحدى الغرف، إذ أنه لا يمكن لهم تحمل الحر في الصالة. واتخذت أم علي معظم فتحات التكييف المغلقة مستودعاً لبعض الحاجيات.وينتصب عند جنبات الصالة عمودان حجريان، وكأنهما يحملان مع أم علي الهم ليخففا عنها، ويستند إليهما الأولاد ليشكلا لهم السند في غياب والد لا يرونه إلا في ما ندر. وقد يلعبون حولهما وبخاصة أن لا مدرسة تشغلهم ولا عمل، وتوضح أم علي «لم يدخلوا المدرسة جميعهم، فكيف أسجلهم ليتعلموا ووالدهم بالكاد سجل الكبار منهم في دفتر العائلة».وسطرت على هذين العمودين منذ أيام فرحة خجولة، بعقد قران إحدى بنات العائلة، فارتفعت بعض لوازم الزينة وحبال من النبات الاصطناعي بين العمودين.تتصل الدار بالغرف الأخرى عبر أبواب خشبية بنية اللون، حفر الزمن عليها معالمه بسكين أقوى من نخر السوس، تاركاً فيها أثراً لا يمحى. ومنها يمكن العبور إلى عوالم أكثر حميمية لسكان الدار. ففي غرفة صغيرة قاتمة موحشة جانبية ارتاح جسدٌ متعبٌ مريض لأحد أبناء أم علي، فوق مرتبة اسفنجية عارية، لف جسده بحرامات صوفية. وفي هذه الغرفة يهدر صوت واحد من المكيفين الوحيدين الموجودين في المنزل، لكنه بالكاد ينفث هواءه البارد في هذه الغرفة الصغيرة. وفي زاوية من الغرفة تكدست الثياب ولوازم الأبناء، فلا يوجد أي خزانة في المنزل ولا حتى سرير تخبئ تحته ربة المنزل ما يمكن إخفاؤه.في غرفة أخرى كانت فتاتان ترتاحان من بنات العائلة فوق المراتب الاسفنجية الرقيقة المغلفة بقماش مزهر، وفوق هذه المراتب تستيقظ أحلام الفتيات الوردية بغد أفضل ومستقبل أخضر. وتصطف المفارش الأخرى على جانبي الحائط المرقع بالرطوبة، المخطط بآثار المرارة. لا شيء في هذه الغرفة إلا مرآة تحمل أدراجاً صغيرة، وأمام هذه المرآة تتجمل فتيات العائلة على رغم الندوب التي يتركها العوز في النفس البشرية.يفتح باب المطبخ المغلق مع ابتسامة أم علي، «هناك ثلاجة لكن لا أكل فيها»، والثلاجة قدمتها لهم الجمعية مع الغسالة وفرن الغاز المعطل حالياً، وتستخدم عوضاً عنه فرن غاز صغيراً. ما يزعج أم علي في هذا الوضع أن «الفقر يذبحني» تقول بابتسامة مريرة، وتضيف «يوم نأكل ويوم لا». وتحتوي خزانة الأطعمة بالكاد على أساسيات الطبخ من زيت ورز مما تقدمه الجمعية بواسطة الكوبونات الشهرية أو مما يتقدم به «الأجاويد من أهل الحي» تقول أم علي. صحيح أن الفقر شديد الوطأة على هذا المنزل، لكن هذا لم يمنع أهله من الابتسام، ولم يحل دون قول أم علي إنها تجد فيه «نعمة» مقارنة «بديرة لا يعلم بها إلا الله كانت تسكنها قبلاً».يدفع الخروج من منزل أم علي المرء إلى أخذ نفس عميق، والتفكير كثيراً في مئات العائلات التي يتوارثها الفقر. كل مساء تشتد حدة الظلام هنا على عائلة فقيرة تتمسك بالأمل بغد أفضل. لكن مجرد إغلاق الستارة خلفك يعني الستر على هذه العائلة ومثلها عائلات كثيرة مستورة، عائلات تحلم ألا يكشف سترها إلا نور الشمس.وقبل الانسلال بصمت من أمام المنزل، والخروج من جديد إلى الحياة المترفة، تعلق نظرة عميقة إلى السور الأبيض والأزرق، الذي يحيط بمدخل المنزل فتترك مشاهد تتقاطع مع تقاسيمه. وتسترجع مقولة جاكوب المناضل الأميركي نصير الأحياء الأميركية الفقيرة: «إما أن نزيل الأحياء الفقيرة، وإما أن تقوم هي بمحونا وإزالتنا من الوجود».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"كنت أصرخ ولا أسمع صوتي"