"كنت أصرخ ولا أسمع صوتي"

<< صراع داخلي يجتاحها عندما تحاول استرجاع الذكريات المخبأة في تجاويف الذاكرة. سعت دائما لوأدها حيث لا يمكن لها ان تصل اليها يوما، ولو عن طريق الصدفة، في حلم او في غفوة او حتى على حين غفلة عندما تبحث عن اسم لوجه صادفته. وبصعوبة تخرج ما خفي، من دون ان تغفل اي تفصيل. غريبة هي اللحظات التي يتمنى المرء ان يمحوها من تاريخه، لتعود في كل مرة حاملة هواجسه حية من جديد.. وربما اكثر ايلاما. حتى بعد مرور عشرين سنة ما زالت صورها بشعة.. <<لم اعرف ماذا اصابني، صرخت وبحثت عن شقيقيّ لنهرب، لا اعرف الى اين؟>> تصف ورد لحظة انهمار القذائف على حافلة المدرسة <<كنا قد قصدنا المدرسة باكرا>>. كنا اربعة انا وشقيقيّ وابن عمتي الذي يكبرنا بسنوات، كانت الحافلة تقلنا الى المدرسة من حينا الواقع عند خطوط التماس>>، تصمت للحظة، تأخذ نفسا عميقا لتكمل <<والمدرسة في مكان آمن اكثر. كنا قد اعتدنا الجلوس مع ابن عمتي الى جانب السائق، ويومها وصلنا الى المدرسة والجو هادئ>>، وما هي الا لحظات حتى تغيرت المعطيات <<الجو الرايق تحول الى ضجيج اعتدنا سماعه لكننا كنا هذه المرة في قلب الضجة، ومن حولنا كانت القذائف تتفجر>>. دخل الطلاب الى مسرح المدرسة <<كان المكان الآمن الوحيد، ولان المدرسة لم تكن مستعدة لتحمل مسؤولية ارواح مئات الاطفال>>. اتخذت الادارة قرارها بإعادة الاولاد الى منازلهم عند توقف القصف. <<دعانا ابن عمتي لنركب الحافلة، لكنه لم يسمح لنا بالجلوس معه كما كنا معتادين>>، استجاب الاطفال له وشقوا طريقهم بين رفاقهم الى مؤخرة الحافلة. <<كانت نادية ابنة جيراننا تجلس على احد المقاعد، ولما رأتنا اخلت مكانها لتجلس، رفضت عرضها شاكرة وجلسنا قبالتها>>. لحظات بطيئة يشعر معها المرء بثقل الحمل المرمي على كاهل الصبية، التي لم تكن تتجاوز يومها السادسة من عمرها. <<لم اشعر الا بالدخان في عيني، وبدوي يصم آذاني، كنت اصرخ ولا اسمع صوتي>>.
تنخفض نبرة صوتها وهي تستعيد المشاهد في الحافلة <<اختفى معظم التلامذة من مقاعدهم، بحثت عن نادية قبالتي فلم اجدها، تلفتّ حولي، امسكت بيدي شقيقتي من جديد لاهرب بها بعيدا>>. الرجفة التي ترافق يد ورد وهي ترفع خصلة شعر عن عينيها ليست طبيعية <<اضطررنا انا واخواتي للعبور فوق جثث رفاقنا، كنت اصرخ منادية ابن عمتي فلم اجده>>. حاول بعض الشباب ان يضعوا الاطفال الثلاثة في احدى السيارات ليعيدوهم الى منزلهم لكن ورد كانت تسأل عن ابن عمتها <<ليش اختفى؟ وين اختفى وتركنا؟>> وكانت الاجابات تأتيها بأنه ذهب مع رفيق له اصيب بالقذيفة التي سقطت عند باب الحافلة. و <<اين اختفت نادية؟ هل اصابتها القذيفة التي سقطت على المقعد؟ ام انها فرت قبل ذلك؟>> لا جواب. <<طلب منا السائق ان نخفض رؤسنا حتى اذا صادفنا حاجز مسلح، يقول له اننا مصابون وانه يقوم بنقلنا الى المستشفى، وهكذا كان>>. <<كانت القذائف تسقط هنا وهناك، يختلف دويها بين قريبة وبعيدة، كنت اشعر بالموت يقترب مني ولا يلامسني، وكنت كلما ابتعدت بنا السيارة عن المدرسة اشعر بارتياح>>. وتكمل مع تنهيدة واضحة صادرة من الاعماق <<عندما وصلنا الى الشارع كان الجميع في انتظارنا، اهلي، عمتي التي تنتظر وحيدها، الجيران ومن بينهم اهل نادية>>. تصمت لفترة، تختنق الكلمات في حلقها، ترتشف القليل من قهوتها وتعود لحلقة الصمت. كان صعبا على ورد ان تقول انها فقدت ابن عمتها ورفيقتها، وانها نجت هي وشقيقاها مرتين من الموت المحتم في اقل من دقائق، <<تخيلي كنا سنجلس كالمعتاد مع ابن عمتي فرفض بقاءنا معه، وكانت نادية ستجلسنا مكانها فرفضت>>.
فور وصول ورد وشقيقيها الى منزلهم، حملهم والداهم وفرا بهم الى الجبل حيث الاوضاع افضل <<كان احساسي بالامان يزداد، خاصة انني اصبحت في حضن والديّ، وعندما وصلنا الى منزل جدي، اخذتني خالتي لتهدئ من روعي وتطمأنني انني بت بعيدة عن مرمى القذائف، وفجأة صرخت برعب>>. لم تشعر ورد للحظة انها مصابة، وان ساقيها <<مدروزتان>> بالشظايا. <<كان بنطلوني البني مطبعا بنقاط الدم المتجمد، وعندما شاهدتها خالتي عرفت انها آثار شظايا>>. نقلت ورد الى المستشفى حيث قام الطبيب بنزع معظم الشظايا <<اكثر من خمسين شظية تم انتزاعها، وقال الطبيب ان البقية عبارة عن شظايا صغيرة لا يؤثر بقاؤها في الجسم>>. <<كنت اصرخ من الالم اثناء انتزاعها، كانت لحظات الرعب التي عشتها في صباح ذاك اليوم تمر صورا سريعة في رأسي، صور اردت ان امحوها من ذاكرتي الى الابد، لكنني لم انجح في ذلك يوما>>.
2001
عبير (متنكرة في شخصية ورد، كتبت تلك الأحداث وأنا أعرف أن أهلي وأصحابي ومحيطي
سيقرأها وسيعرف أني ورد لكن الإختباء من الحرب خلف إصبع نحيل لم يجعلني أجرأ يومها على البوح. واليوم ذكرتني صور الانفجار في بيروت وأشلاء القتلى بالمشهد نفسه فاستعدت النص).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من قال إن بيوت الفقراء لا تحب الشتاء؟!